غانم قدوري الحمد
148
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
والنص الوارد في كتاب ( المقتضب ) للمبرد لا يتضح منه بشكل قاطع أن المبرد لا يعد الهمزة من حروف العربية الأصلية ، فهو يقول : « اعلم أن الحروف العربية خمسة وثلاثون حرفا ، منها ثمانية وعشرون لها صور » ، لكنه يقول بعد ذلك مباشرة : « فمنها للحلق ثلاثة مخارج : فمن أقصى الحلق مخرج الهمزة ، وهي أبعد الحروف ، ويليها في البعد مخرج الهاء ، والألف هاوية هناك » « 1 » . فغاية ما يمكن قوله هنا أن المبرد لاحظ أن صور الحروف العربية ثمانية وعشرون « 2 » ، وهو يريد الرموز المكتوبة ، والهمزة من بين أصوات العربية لم يكن لها رمز محدد لأسباب لغوية تاريخية ، أما إنها أحد أصوات العربية لديه فيكفي في تقرير ذلك كلامه عن مخارج حروف الحلق الذي نقلنا جزءا منه هنا . وكان بعض المحدثين قد أخذ على سيبويه أنه حين جعل الحروف العربية تسعة وعشرين ذكر الألف إلى جانب الهمزة ، وهو يريد بها المدة التي في نحو ( كان ) ، ولكنه لم يذكر الواو والياء إلا مرة واحدة وهو يريد بهما الواو في ( ثوب ) والياء في ( بيت ) ، فلم يذكر واو المد في ( تقول ) ولا ياء المد في نحو ( تبيع ) ، وكان ينبغي - حسب رأيه - أن يكون عدد الحروف العربية الأصلية واحدا وثلاثين حرفا « 3 » . وكان علماء التجويد يسيرون باتجاه القول بأن حروف العربية الأصول واحد وثلاثون حرفا منذ وقت مبكر ، ويتمثل ذلك بحديثهم عن الطبيعة المزدوجة لكل من الواو والياء حين يكونان حرفي مد ( من الحروف الذائبة ) مرة ، وحين يكونان حرفي لين ( من الجامدة ) مرة أخرى ، على نحو ما يوضح ذلك قول عبد الوهاب القرطبي : « الواو والياء تكون تارة من حروف المد واللين بأن تسكنا ويكون ما قبلهما منهما ، وتارة يتحيّز مخرجهما إذا تغيرتا عن هذا الوضع بأن تسكنا وينفتح ما قبلهما ، ومتى وجد ذلك زال عنهما معظم المد وبقي اللين وانبسط اللسان بهما ، وصارتا بمنزلة الحروف الجوامد » « 4 » . وسوف نتحدث عن تلك الصفة لكل من الواو والياء في مبحث لاحق ، إن شاء اللّه تعالى ، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن نقرر أن تلك النظرة المزدوجة إلى كل من الواو والياء قد انتهت عند علماء التجويد إلى القول بأن
--> ( 1 ) المقتضب 1 / 192 . ( 2 ) ولعل هذا هو قصد الفراء بقوله ( معاني القرآن 1 / 368 ) : « أب ت ث ثمانية وعشرون حرفا » . ( 3 ) انظر : كمال محمد بشر : دراسات في علم اللغة 1 / 81 - 82 ، وتمام حسان : مناهج البحث في اللغة ص 90 . ( 4 ) الموضح 164 ظ .